محمد ابراهيم شادي
58
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
إيماء الصياغة دون اعتماد على اللغة الخطابية المباشرة التي رأيناها أحيانا في قصيدة الأعشى . إن الآية يتبلور فيها روعة المعاني المعجزة في روعة الصياغة المعجزة . وابن أبي الإصبع يؤكد اتجاهه في إمكان الموازنة بين كلامين مختلفين في المعنى فتكون الموازنة في الأسلوب وطريقة بناء المعاني ، وذلك في باب الاستقصاء . الاستقصاء : ( أو الموازنة في ترقي المعاني ) ويبدأ بتعريف الاستقصاء بأنه " أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا يقوله ، كقول البحتري في وصف الإبل التي براها السّير والسّرى ، فقال فيها ما أجمع الناس على تقديمه في بابه : كالقسىّ المعطفات بل الأسهم مبريّة بل الأوتار وحاصل كلامه أن الشاعر لم يكتف بتشبيه تلك الإبل الأنضاء بالقسيّ حتى تمّم بالوصف " المعطفات " أي للمنحنيات ، لما في خلق الإبل من الانحناء ، فكان التشبيه بذلك أوقع ، والمعنى في الوصف أتم ، ثم استقصى بالانتقال على مقتضى البلاغة من الأدنى إلى الأعلى في النحافة فشبهها بالأسهم لأنها أنحف من القسي ، ولم يكتف بهذا حتى تمّم بالوصف ( مبريّة ) ليقع التشبيه الثاني موقع الأول في القرب ، ثم انتقل إلى الأوتار التي هي أنحف من الأسهم ، وكل ذلك على الترتيب المرضيّ الذي استحق الكلام بسببه الوصف بالتهذيب « 1 » ، ثم أحسن الترتيب بنسق الجمل بعضها على بعض بلفظة ( بل ) الدالة على الإضراب والترقي حتى لم يبق من الإبل إلا أعصاب جافة كالأوتار ، والألفاظ بينها من التلاؤم ما يحقق الائتلاف ، وهذا الترقي في الوصف بالنحافة حتى لم يدع نهاية لواصف هو الاستقصاء ، ثم يقول : " وهذا أفضل بيت وقع فيه الاستقصاء لمولّد " « 2 » .
--> ( 1 ) التهذيب عند ابن أبي الإصبع هو حسن ترتيب مفردات الجملة فهو ضرب من النظم الذي يدخله التدبر . ( 2 ) راجع بديع القرآن 249 .